ابن عربي

233

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ « عَلَّمَ الْقُرْآنَ » الآية : ] نصب القرآن ، يعني علّم القرآن أين ينزل من الإنسان ، هل في النفس ، أو في الجنان ؟ وفي أي قلب يكون ويستقر ، وعلى أي قلب ينزل ، فالرحمن علّم القرآن النزول إلى قلوب عباده المؤمنين التي وسعته ، فهو نزول منه إليه . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 3 ] خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) [ ترتيب الخلائق من العقل إلى الإنسان : ] فعين له الصنف المنزل عليه . اعلم أن اللّه كان ولا شيء معه ، لم يرجع إليه من إيجاد العالم صفة لم يكن عليها ، بل كان موصوفا لنفسه ، ومسمى قبل خلقه بالأسماء التي يدعونه بها خلقه ، فلما أراد وجود العالم وبدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه ، انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية ، انفعل عنها حقيقة تسمى الهباء ، هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيها ما شاء من الأشكال والصور ، وهذا هو أول موجود في العالم ، ثم أنه سبحانه تجلى بنوره إلى ذلك الهباء ، والعالم كله فيه بالقوة والصلاحية ، فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء على حسب قوته واستعداده ، كما تقبل زوايا البيت نور السراج ، وعلى قدر قربه من ذلك النور يشتد ضوؤه وقبوله ، فلم يكن أقرب إليه قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المسماة بالعقل ، فكان سيد العالم بأسره ، وأول ظاهر في الوجود ، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ، ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية ، وفي الهباء وجد عينه ، وعين العالم من تجليه ، ثم انتهى ترتيب نضد العالم وإيجاده إلى الإنسان ، فهو آخر المولّدات ، وهو نظير العقل الأول وبه ارتبط ، لأن الوجود دائرة ، فكان ابتداء الدائرة وجود العقل الأول الذي ورد في الخبر أنه أول ما خلق اللّه العقل ؛ فهو أول الأجناس وانتهى الخلق إلى الجنس الإنساني فكملت الدائرة ، واتصل الإنسان بالعقل كما يتصل آخر الدائرة بأولها ، فكانت دائرة ، وما بين طرفي الدائرة جميع ما خلق اللّه من أجناس العالم ، بين العقل الأول الذي هو القلم أيضا ، وبين الإنسان الذي هو الموجود الآخر ، ولما كانت الخطوط الخارجة من النقطة التي في وسط الدائرة إلى المحيط الذي وجد عنها ، تخرج على السواء لكل جزء من المحيط ، كذلك نسبة الحق تعالى إلى الموجودات نسبة واحدة فلا يقع هناك تغيير البتة ، كانت الأشياء كلها ناظرة إليه ، وقابلة منه ما يهبها ، نظر أجزاء المحيط إلى النقطة ، واعلم أن اللّه ما خلق العالم الخارج عن الإنسان إلا ضرب مثال للإنسان ، ليعلم